ابن كثير

509

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يقول تعالى مخبرا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده ، ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل ، وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفا ، فاللّه أعلم ، أنه قال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ أي مختبركم بنهر ، قال ابن عباس وغيره : وهو نهر بين الأردن وفلسطين ، يعني نهر الشريعة المشهور ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي أي فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ، أي فلا بأس عليه ، قال اللّه تعالى : فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ قال ابن جريج : قال ابن عباس : من اغترف منه بيده روي ، ومن شرب منه لم يرو . وكذا رواه السدي عن أبي مالك ، عن ابن عباس : وكذا قال قتادة وابن شوذب ، وقال السدي : كان الجيش ثمانين ألفا ، فشرب منه ستة وسبعون ألفا ، وتبقى معه أربعة آلاف ، كذا قال . وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب ، قال : كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر ، وما جازه معه إلا مؤمن ، ورواه البخاري عن عبد اللّه بن رجاء ، عن إسرائيل بن يونس ، عن أبي إسحاق ، عن جده ، عن البراء بنحوه ، ولهذا قال تعالى : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ أي استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم ، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد اللّه حق ، فإن النصر من عند اللّه ليس عن كثرة عدد ولا عدد . ولهذا قالوا كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 250 إلى 252 ] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 ) أي لما واجه حزب الإيمان ، وهم قليل من أصحاب طالوت ، لعدوهم أصحاب جالوت ، وهم عدد كثير قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً أي أنزل علينا صبرا من عندك وَثَبِّتْ أَقْدامَنا أي في لقاء الأعداء ، وجنبنا الفرار والعجز وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ . قال اللّه تعالى : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ أي غلبوهم وقهروهم بنصر اللّه لهم وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده ، رماه به فأصابه فقتله ، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ، ويشاطره نعمته ، ويشركه في أمره ، فوفى له ثم آل الملك إلى دواد عليه السلام مع ما منحه اللّه به من النبوة العظيمة ، ولهذا قال تعالى : وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ الذي كان بيد طالوت وَالْحِكْمَةَ أي النبوة بعد شمويل وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ